الشنقيطي

47

أضواء البيان

الثانية : الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه ، كما في قوله تعالى * ( وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) * ، وهذا أخص من الأول ، وقوله : * ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) * . الثالثة : الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية * ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) * فهي أخص من الخاص الأول . وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب ، حتى قيل : إن المراد بها الزكاة . وهي تشمل النافلة ، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة ، وتدخل في قوله تعالى : * ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) * ، وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى ، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس ، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما ، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب ، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس ، كما بينه تعالى بقوله : * ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) * . وكما امتدح الله تعالى قوماً بالاعتدال في قوله : * ( وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ) * . وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفلسفة الأخلاقية القائلة : ( الفضيلة وسط بين طرفين ) أي طرفي الإفراط والتفريط . فالشجاعة مثلاً وسط بين التهور والجبن ، والكرم وسط بين التبذير والتقتير . والإنفاق جوانب متعددة ، وأحكام متفاوتة ، قد بين الشيخ رحمه الله جانباً من الأحكام ، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى ، وتنحصر في الآتي : نوع ما يقع منه الإنفاق ، الجهة المنفق عليها ، موقف المنفق ، وصورة الإنفاق . أما ما يقع منه الإنفاق : قد بينه تعالى أولاً من كسب حلال لقوله تعالى : * ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاٌّ رْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلاَ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) * . وقوله تعالى : * ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) * . أما الجهة المنفق عليها : فكما في قوله تعالى : * ( يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم